القرطبي
100
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وروي عن كعب الأحبار أنه قال : يجاء بالشمس والقمر كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في النار . فصل قلت : كذا الرواية « ثوران » بالثاء المثلثة ، وإنما يجمعان في جهنم لأنهما قد عبدا من دون اللّه ، ولا تكون النار عذابا لهما ، لأنهما جماد ، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم ، هكذا قال بعض أهل العلم . وقال ابن قسي صاحب « خلع النعلين » : اعلم أن الشمس والقمر ثوران مكوّران في نار جهنم على شبه هذا التكوير ، فنهار سعير وليل زمهرير ، والدار دار قائمة لا فرق بينها وبين هذين في حركة التسيار والتدوار ومدار فلكي الليل والنهار ، إلا أن تلك خالية من رحمة اللّه ومع هذه رحمة واحدة من رحمة اللّه ، وعن الشمس والقمر يكون سواد الدار ، ولهيب ظاهر النار ، وهما من أشد الغضب للّه تعالى بما عايناه من عصيان العاصين ، وفسق الفاسقين ، إذ لا يكاد يغيب عنهما أين ، ولا تخفى عنها خائنة عين ، فإنه لا يبصر أحد إلا بنورهما ولا يدرك إلا بضوئهما ، ولو كان خلف حجاب من الغيب الليلي ، أو وراء ستر من الغيم اليومي ؛ فإن الضوء الباقي على البسيطة في ظل الأرض ضوؤهما ، والنور نورهما ، ومع ما هما عليه من الغضب للّه فإنه لم يشتد غضبهما إلا من حيث نزع لجام الرحمة عنهما ، وقبض ضياء اللين والرأفة منهما ، وكذلك عن كل ظاهر من الحياة الدنيا في قبض الرحمة المستردة من هذه الدار إلى دار الحيوان والأنوار . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن للّه مائة رحمة ينزل منها واحدة إلى الأرض ، فبها تتعاطف البهائم ويتراحم الخلق وتتواصل الأرحام ، فإذا كان يوم القيامة قبض اللّه هذه الرحمة وردها إلى التسعة والتسعين وأكملها مائة كما كانت ، ثم جعل المائة كلها رحمة للمؤمنين » « 1 » . وخلت دار العذاب ومن فيها من الفاسقين من رحمة ربّ العالمين ، فبزوال هذه الرحمة زال ما كان فيه القمر من رطوبة وأنوار ، ولم يبق إلا ظلمة وزمهرير ، وبزوالها زال ما كان بالشمس من وضح وإشراق ، ولم يبق إلا فرط سواد واحتراق ، وبما كانا به قبل من الصفة الرحمانية كان إمهالهما للعاصين ، وإبقاؤهما على القوم الفاسقين ، وهي زمام الإمساك ولجام المنع عن التدمير والإهلاك ، وهي سنة اللّه تعالى في الإبقاء إلى الأوقات ، والإمهال إلى الآجال ، إلا أن يشاء غير ذلك ، فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه ، لا إله إلا هو سبحانه .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2751 ) بنحوه .